المنظورات الفكرية · NimaNimaالمنظورات الفكرية
المنظورات الفكرية.
هناك سؤال يبدو بسيطًا في البداية…
من أين تأتي أفكارنا؟
نحن نحب أن نقول:
أنا أفكر.
أنا أختار.
أنا أؤمن بهذا.
وأنا أرفض ذاك.
لكن تاريخ الفلسفة وعلم النفس يضع أمامنا احتمالًا أكثر إزعاجًا.
ماذا لو كان الإنسان لا يصنع جميع أفكاره بنفسه؟
ماذا لو كان جزء كبير مما نسميه «أنا»…
قد تشكّل قبل أن نمتلك القدرة على الاختيار أصلًا؟
في كتاب «سيكولوجية الجماهير»، حاول غوستاف لوبون أن يفهم ما يحدث للإنسان عندما يصبح جزءًا من جماعة.
فالفرد، عند دخوله في الجمهور، لا يحتفظ دائمًا بالطريقة نفسها التي يفكر بها وهو منفرد.
العاطفة تنتشر.
الإيحاء يصبح أقوى.
والفكرة، حين تتكرر بين عدد كبير من الناس، قد تكتسب سلطة لا تأتي من البرهان…
بل من الجماعة نفسها.
وهنا تظهر مشكلة غريبة.
قد يظن الإنسان أنه يدافع عن قناعة شخصية…
بينما هو في الحقيقة يحمل صدى قناعة جماعية.
لكن المسألة أقدم من لوبون بكثير.
قبل أكثر من ألفي عام، وضع أفلاطون في كتاب «الجمهورية» صورة شهيرة…
الكهف.
تخيل بشرًا عاشوا حياتهم داخل كهف.
لا يرون الأشياء نفسها.
بل يرون ظلالها على الجدار.
ومع مرور الزمن…
تصبح الظلال بالنسبة إليهم هي الحقيقة.
ليس لأنهم أغبياء.
بل لأنهم لم يعرفوا شيئًا آخر يقارنونها به.
وهذا يقودنا إلى معنى أعمق للمنظور الفكري.
قد لا تكون المشكلة أنك ترى شيئًا خاطئًا…
بل أنك لا تعرف أصلًا أن هناك طريقة أخرى للرؤية.
ثم يأتي نيتشه، بعد قرون طويلة، ليضرب في مكان مختلف.
في «ما وراء الخير والشر»، تظهر بقوة فكرة أن الفيلسوف نفسه ليس عقلًا معلقًا خارج الحياة.
خلف الأفكار توجد دوافع.
قيم.
غرائز.
وتاريخ شخصي.
أي أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
هل هذه الفكرة صحيحة؟
لماذا أريد أنا أن تكون هذه الفكرة صحيحة؟
لأن الإنسان يستطيع أن يشك في العالم بسهولة…
لكنه يجد صعوبة أكبر بكثير في الشك في الدوافع التي تحركه هو.
ومن هنا يمكن أن نذهب إلى دوستويفسكي.
في «مذكرات من تحت الأرض»، نجد إنسانًا غارقًا في وعيه بنفسه.
ثم يشك في السبب الذي جعله يفكر.
حتى يتحول الوعي نفسه من وسيلة للتحرر…
وكأن دوستويفسكي يضع أمامنا الوجه الآخر للمشكلة.
الجماعة قد تسلب الإنسان استقلاله…
لكن الإفراط في الانغلاق داخل الذات لا يضمن له الحرية أيضًا.
فالإنسان يستطيع أن يصبح سجين الآخرين.
ثم يأتي كارل يونغ من علم النفس، ليوسع الصورة أكثر.
فالإنسان، في التصور اليونغي، لا يتكون فقط من ذلك الجزء الذي يعرفه عن نفسه.
صفات ينسبها إلى الآخرين، بينما قد يكون جزء منها مختبئًا داخله.
ومن هنا جاءت أهمية ما سماه يونغ «الظل».
ذلك الجانب من النفس الذي لا نحب أن نقول:
وهنا تصبح المنظورات الفكرية أكثر تعقيدًا.
لأنك لا تنظر إلى العالم من خلال المجتمع فقط.
بل تنظر إليه أيضًا من خلال الأشياء التي تخشاها داخل نفسك.
بل لأنها تهدد الصورة التي صنعها عن نفسه.
وقد يهاجم إنسان شخصًا آخر…
لأن الآخر أظهر أمامه شيئًا كان يحاول إخفاءه عن ذاته.
وهكذا نصل إلى نقطة مشتركة، رغم الاختلاف الهائل بين هؤلاء المفكرين.
هل ما تراه هو الحقيقة، أم مجرد ظلال اعتدت عليها؟
كم يتغير عقلك عندما تصبح جزءًا من الجمهور؟
نيتشه يدفع السؤال إلى الداخل:
ما الذي يقف خلف قيمك وأحكامك؟
ماذا يحدث عندما يتحول وعي الإنسان إلى صراع مع نفسه؟
وماذا عن ذلك الجزء منك الذي لا تريد رؤيته أصلًا؟
لكنها تلتقي أمام السؤال نفسه.
أم رغبة لا تريد الاعتراف بها؟
ربما تكون هذه هي المشكلة الأساسية في المنظورات الفكرية.
نحن نعتقد أن أفكارنا نوافذ ننظر منها إلى العالم.
أن زجاج النافذة نفسه قد يكون ملونًا.
والتحرر الفكري لا يعني أن تكسر كل نافذة.
ولا أن تعارض كل فكرة موروثة.
إذا كانت الجماعة تقول «نعم»…
وأنت تقول «لا» فقط لأن الجماعة قالت «نعم»…
فالجماعة ما زالت تتحكم في إجابتك.
إنما الحرية تبدأ عندما تستطيع أن تتوقف.
أن تأخذ الفكرة التي عاشت داخل رأسك سنوات…
وتضعها أمامك كأنها فكرة شخص آخر.
ما الذي سيحدث لهويتي لو اكتشفت أنها خاطئة؟
ولو أنني وُلدت في زمن آخر…
هل كنت سأصبح الإنسان نفسه؟
لأنك كلما نزعت طبقة من الأفكار التي ورثتها…
اقتربت من سؤال لا يستطيع أي كتاب أن يجيب عنه نيابة عنك.
بعد أن أزيل كل شيء لم أختره؟
ربما لهذا السبب يخاف الإنسان من مراجعة منظوره.
فهو لا يخشى دائمًا أن يخسر فكرة.
يخشى أن يخسر الشخص الذي كان يعتقد أنه هو.
ولهذا فإن الوعي ليس أن تعرف أكبر عدد من الحقائق.
أن العقل الذي يبحث عن الحقيقة…
وعندما تستطيع، ولو للحظة واحدة…
أن تنظر إلى أفكارك بدلًا من أن تنظر من خلالها.