حين يتحول الحوار إلى دفاع · NimaNimaحين يتحول الحوار إلى دفاع
لا تحاصر الإنسان بالحقيقة
ليست كل حقيقة يجب أن تُقال حتى نهايتها.
وليست كل حجة صحيحة…
صالحة لأن تستمر بها.
هناك لحظة غريبة في الحوار، يتحول فيها الإنسان من شخص يناقش فكرة…
إلى شخص يحرسها.
ومنذ تلك اللحظة، أنت لا تناقش الفكرة وحدها.
أنت تقف أمام تاريخها.
أمام الأب الذي علّمها.
والبيت الذي كررها.
والجماعة التي كافأت الإيمان بها.
والسنوات التي عاشها صاحبها وهو يفسر العالم من خلالها.
وربما أمام قرارات كاملة اتخذها بناءً عليها.
ثم تأتي أنت…
وتطلب منه، في عشر دقائق، أن يعيد النظر في كل ذلك.
وتستغرب أنه يقاوم.
المشكلة أن الإنسان لا يحمل أفكاره كلها بالطريقة نفسها.
هناك فكرة يستطيع التخلي عنها بسهولة:
موعد أخطأ في تذكره.
معلومة تاريخية لم يعرفها.
رقم أخطأ في حسابه.
هذه الأشياء لا تكلفه شيئًا.
قل له إنه مخطئ، وقد يجيبك ببساطة:
صحيح.
لكن جرّب أن تقترب من فكرة بنى عليها هويته.
هنا يتغير معنى كلمة «خطأ».
أنت تقول له:
هذه الفكرة قد تكون خاطئة.
لكنه قد يسمع:
إذن جزء من حياتك بُني على خطأ.
أنت تناقش جملة.
وهو يدافع عن سيرة ذاتية.
وهذه أول مشكلة.
أما الثانية، فهي أكثر غرابة.
كلما ضغطت عليه ليغيّر رأيه…
قد تجعل تغيير رأيه أصعب.
لأن القضية بعد فترة لا تعود:
هل الفكرة صحيحة أم خاطئة؟
يظهر سؤال جديد:
من منا سيتراجع؟
وهنا مات النقاش.
الحقيقة أصبحت ثانوية.
ودخلت الكرامة إلى المعركة.
فإذا اعترف الآن بخطئه، لن يشعر فقط أنه غيّر رأيًا.
قد يشعر أنه خسر أمامك.
ولهذا يبدأ في البحث.
ليس عن الحقيقة…
أي شيء يعيد التوازن إلى المعركة.
وهنا يرتكب الطرف الآخر خطأً مشهورًا:
«كيف لا ترى شيئًا واضحًا إلى هذه الدرجة؟»
وهكذا يتحول الحوار إلى حصار.
ازداد تمسك الإنسان بالمكان الذي تحاصره فيه.
ليون فستنغر، في نظريته عن «التنافر المعرفي»، قدّم لنا مفتاحًا مهمًا لفهم جزء من هذه الظاهرة.
وجود تعارض بين ما نعتقده وما نواجهه من معلومات قد يصنع توترًا نفسيًا.
لكن إزالة هذا التوتر لا تعني بالضرورة أن الإنسان سيقول:
يمكنه أيضًا أن يعيد تفسير المعلومة.
أو أن يبحث عن شيء يعيد إليه انسجامه القديم.
لأننا نتخيل الإنسان كأنه آلة:
وصورة يريد الاحتفاظ بها عن نفسه.
أحيانًا لا يدافع الإنسان عن الفكرة لأنها فكرته أصلًا.
وهنا يصبح غوستاف لوبون مفيدًا.
فحين تتشابك المعتقدات مع الجماعة، لا يبقى الرأي شأنًا فرديًا تمامًا.
التخلي عنه قد يعني، نفسيًا أو اجتماعيًا:
ولهذا قد تقدم لشخص دليلًا يناقض اعتقاد جماعته…
بل لأن قبوله قد تكون له فاتورة أكبر من قيمته المنطقية.
وهو يشعر أنك تطلب منه تغيير مكانه.
لكن هنا يجب الحذر من غرور آخر.
من السهل جدًا أن تقرأ هذا الكلام وتقول:
«نعم، أعرف شخصًا يفعل ذلك دائمًا.»
وهكذا تكون قد ضيعت الفكرة كلها.
لأن آليات الدفاع لا تخص «الأغبياء».
كل إنسان تقريبًا لديه منطقة إذا اقتربت منها الحجة…
ولهذا فإن اكتشاف دفاع الآخر ليس دليلًا تلقائيًا على أنك أنت صاحب الحقيقة.
أفضل في تسمية دفاع الآخر.
وهنا أصل إلى ما يمكن أن نسميه:
ولا يعني أن كل الآراء متساوية.
إذا كان هدفك تغيير الفكرة، فلا تجعل صاحبها مضطرًا إلى الدفاع عن نفسه كي يحتفظ بكرامته.
أنت لا تتوقف لأن حجتك ضعيفة.
تتوقف لأنك لاحظت أن استمرارك أصبح يخدم النتيجة المعاكسة لهدفك.
وهذا يحتاج إلى قدر من ضبط النفس.
لأنك قد تمتلك الرد المثالي…
قد تستطيع إحراجه أمام الآخرين…
بل حفاظًا على إمكانية أن يفكر فيها لاحقًا.
وهنا تحدث المفارقة الأجمل.
ربما يبدأ تأثير كلامك الحقيقي…
ولا يعود هناك خصم يجب أن يهزمه.
ولا جمهور يجب أن يحافظ أمامه على صورته.
ولا إجابة يجب أن يخترعها فورًا.
وهناك، للمرة الأولى، يستطيع أن يقول لنفسه شيئًا كان من المستحيل أن يقوله أمامك:
ماذا لو كان في كلامه شيء صحيح؟
هذه الجملة الصغيرة أهم من أن تجبره على قول:
لهذا لا تقس نجاح الحوار بعدد المرات التي أسكتَّ فيها الطرف الآخر.
ولا بعدد الحجج التي لم يستطع الرد عليها.
أحيانًا يكون أفضل حوار خضته…
هو الحوار الذي تركته ناقصًا.
فتحت شقًا صغيرًا في اليقين.
فالإنسان يستطيع أن يقاومك طويلًا…
لكنه يجد صعوبة أكبر في مقاومة سؤال…
أصبح صوته هو الذي يطرحه داخل رأسه.
ولهذا، عندما ترى أن الإنسان لم يعد يحاول أن يفهم…
اترك لها منفذًا تدخل منه لاحقًا.
كلما دفعتها بعنف، أُغلقت أكثر.